أبي منصور الماتريدي
198
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وسيرهم ، لكان مقدار خمسين ألف سنة . وقوله - عزّ وجل - : فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، وقال في موضع آخر : أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [ السجدة : 5 ] ، فيحتمل أن يكون هذا الوقت وقت تقدير عروج الملائكة وصعودهم ، وهو أن البعض ينزل « 1 » منهم ، ثم يعرج « 2 » في يوم واحد ، مقدار ذلك المسير ألف عام ، والبعض منهم ينزل ويعرج في يوم واحد مسيرة خمسين ألف سنة ؛ فيكون في هذا إبانة أن ليس أهل سماء أحق أن يدور عليهم تدبير أهل الأرض من أهل سماء ؛ بل ينزل أهل سماء إلى [ أهل ] « 3 » الأرض مرة ؛ لما يراد من تدبير ، وينزل أهل سماء أخرى بتدبير آخر ، ثم [ من ] أي سماء يرسل ، فهو يصعد إلى تلك السماء [ في ] يوم واحد ، إن أرسل من السماء السابعة أو السادسة أو الأولى ، فهو يصعد إليها في ذلك اليوم ، فيكون « 4 » في هذا تبيين قوة بعض الملائكة على بعض : أن فيهم من يسير مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد ، وفيهم من يسير مسيرة ألف سنة ، ومن قدر على أن يخلق في خلق من خلائقه من القوة ما يقطع هذه المسافة في يوم واحد ، لا يحتمل أن يعجزه شيء ؛ فيكون في ذكر هذا تحقيق كون ما به هول أمر القيامة والبعث . وجائز أن يكون قوله : فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ راجعا إلى يوم القيامة ، فذكر في موضع أن مقداره ألف سنة ، وذكر هاهنا أن مقداره خمسين ألف سنة ، والأصل أن « 5 » ذلك اليوم ليس بذي حد ولا له غاية ينتهى إليها ، فما يخبر من الحد فيه ، فهو يخرج مخرج تعظيم ذلك اليوم ؛ ليقع به التهويل والتقريع ، فبأي شيء يعظم ذكره في القلوب [ يذكره ] « 6 » ؛ فمرة ذكره بالخلود ، وهو قوله - عزّ وجل - : ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ [ ق : 34 ] ، ومرة قال : لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً [ النبأ : 23 ] ، ومرة قال : خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، ومرة قال : أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [ السجدة : 5 ] ، إذ هذه الأشياء مما يعظم [ ذكرها ] « 7 » في القلوب ، وكذلك الألف هي عظيمة في القلوب ، فإذا كانت هذه الأشياء يعظم ذكرها في القلوب فذكر الشيء الواحد من الجملة « 8 » أو ذكر الأشياء يقتضي معنى واحدا .
--> ( 1 ) في ب : يتنزل . ( 2 ) في أ : يعرض . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) في ب : ويكون . ( 5 ) في ب : في . ( 6 ) سقط في ب . ( 7 ) سقط في أ . ( 8 ) في ب : الحكمة .